محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

61

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إنه يحوّرها أولا على صعيد العاملين النحويين للجماعات الحاضرة ، ثم يحوّرها فيما بعد لكي تشمل جميع الفئات والشعوب المقودة إلى نفس عملية « الاعتناق » أو التحوّل إلى المعتقد الجديد . في الواقع ، إنه عن طريق التدخلات المتعددة ، والناشطة ، والآنية ل « الأنا - النحن » المعاد تحيينها أو تجسيدها من قبل الخطاب القرآني المتلوّ والمقروء والمفسّر ، فإن المخيال الديني يتشكّل ويتخذ تماسكه . ثم يتلقى طاقة تعكسه أو تسقطه على « الأنا » المستغلقة أو التي يتعذّر سبرها ، أقصد « أنا » العامل - الذات الذي هو في آن معا خارجي بالنسبة للخطاب ومتعال عليه ، ولكنه حاضر دائما . إنه المرسل الأول ( مر - 1 ) ، والمرسل إليه في ما يخصّ الأعمال التواصلية ، والسردية ، والمرجعية ، والمعرفية ، والتشريعية « * » . . إلخ . وهو على علاقة تحالفية مع مرسل إليه أول ( أي محمد ) الذي يمتلك هو الآخر أيضا مكانة مزدوجة . فهو أولا مرسل إليه - وصلة وصل للمرسل الأول ( مر - 1 ) ، وهو ثانيا عامل - ذات ومرسل - مبشّر ( مر - 2 ) مفعم بالقوة الكلامية للعبارات أو للآيات المنقولة . وبالتالي ، فهو على هذا الصعيد مسؤول عن تحيين الرسالة بفضل تدخل المرسل إليه الجماعي ( والمدعو في القرآن بالقوم ، أو الناس ، أو المؤمنين ، وذلك بحسب الحالات المتغيّرة للخطاب ) . وهذا المرسل إليه الجماعي هو العامل - الذات المعقد الثالث . من الناحية المثالية يمكن القول بأنه آدم وذريته المرتبطان كلاهما بالخالق ( أي المرسل الأول ) عن طريق العهد الأساسي أو الميثاق . ولكن من الناحية العملية المحسوسة ، فإنه مشكّل في البداية من أهل مكّة ، ثم المدينة ، ثم الحجاز ، ثم دار الإسلام ككل . وهي دار ينبغي أن تمتد تدريجيا لكي تشمل الأرض المعمورة وذلك طبقا لمجريات العملية المحدّدة في الآية الخامسة من سورة التوبة . لندقّق الأمور أكثر فأكثر ولنقل بأن المرسل إليه الجماعي يشمل بحسب الآية ذاتها الأنصار المدعوين عموما بالمؤمنين ، والمعارضين المدعوين عموما بالمشركين ، أو المنافقين ، أو الفاسقين ، أو اليهود ، أو النصارى .

--> * علم الألسنيات الحديثة كان يحدد التواصل اللغوي على النمو التالي : مرسل - رسالة ما - مرسل إليه . هذه هي عملية التواصل بكل بساطة . وكل خطاب لغوي يهدف إلى توصيل رسالة شفهية أو كتابية من المرسل إلى المرسل إليه ، أو من المخاطب إلى المخاطب . واللّه في الخطاب القرآني مرسل ومرسل إليه . بمعنى أن عنه يصدر كل شيء ، وإليه يعود كل شيء ، كما تقول الآية القرآنية : « إنّا للّه وإنا إليه راجعون » . والعلاقة بين اللّه ورسوله ( أو بين المرسل والمرسل إليه ) تحالفية وثيقة . والنبي نفسه له مكانة لغوية أو توصلية مزدوجة أيضا : فهو مرسل إليه لأن اللّه يرسل له الرسالة ، وهو مرسل إلى البشر أو مبلّغ . وحدهم البشر يتمتعون بمكانة لغوية واحدة : مرسل إليهم . وعندئذ ينقسمون إلى قسمين ، إما أن يطيعوا ، وإما أن يعصوا . وفي الحالة الأولى يمدحهم القرآن كثيرا ، وفي الحالة الثانية يلعنهم كثيرا .